محمد جمال الدين القاسمي
192
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القسم الثاني : ما صح نقله عن الآحاد ، وصح وجهه في العربية ، وخالف لفظه خط المصحف . فهذا يقبل ولا يقرأ به . لعلتين : إحداهما : أنه لم يؤخذ بإجماع ، إنما أخذ بأخبار الآحاد . ولا يثبت قرآن ، يقرأ به ، بخبر الواحد . والعلة الثانية : أنه مخالف لما قد أجمع على مغيّبه وصحته . وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به ولا كفر من جحده . ولبئس ما صنع ، إذا جحده . القسم الثالث : هو ما نقله غير ثقة ، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية ، فهذا لا يقبل ، وإن وافق خط المصحف . قال ابن الجزريّ : مثال القسم الأول : مالك ، وملك . يخدعون ، ويخادعون . وأوصى ، ووصى . وتطوع ، ويطوع . ونحو ذلك من القراءات المشهورة . ومثال القسم الثاني : قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء ( والذكر والأنثى ) في وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وقراءة ابن عباس : ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) ، ( وأما الغلام فكان كافرا ) ونحو ذلك مما ثبت برواية الثقات . واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة . فأجازها بعضهم . لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة . وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعيّ وأبي حنيفة . وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد . وأكثر العلماء على عدم الجواز . لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وإن ثبتت بالنقل ، فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة ، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثمانيّ . أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن . أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة . ومقال القسم الثالث ، مما نقله غير ثقة : كثير مما في كتب الشواذ مما غالبه إسناده ضعيف . كقراءة ابن السّميفع وأبي السمال وغيرهما في نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ننحيك بالحاء المهملة . وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعيّ ونقلها عنه أبو القاسم الهذليّ وغيره فإنها لا أصل لها . ومنها إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع الهاء ونصب الهمزة . وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها . قال ابن الجزريّ : وإن أبا حنيفة لبريء منها . ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية ، ولا يصدر مثله إلا على وجه السهو